← العودة إلى ورّق
كلمة الملحق الثقافي

إلى كل مبتعث كنت يومًا في مكانك.

مشاعل السلامة الملحق الثقافي في المملكة المتحدة
“اكتب، لأن الذاكرة قد تخون، ولكن الكلمات تبقى.”

حملتك حقيبتك، وخلفها أحلام أكبر من عمرك، وأسئلة أكثر من إجاباتك. أكتب إليك، لا بصفتي الملحق الثقافي، بل بصفتي مبتعثة كانت يومًا تجلس في مقعدك.

لا زلت أتذكر أول شارع مشيت فيه وحدي، وأنا أحاول أن أقنع نفسي أن الغربة قرار صحيح، ولا زلت أتذكر أول مرة دخلت فيها المكتبة، وأنا أظن أنني نسيت كيف أبحث عن المراجع، ثم اكتشفت أنني كنت أبحث عن نفسي.

ستصبح بعض الشوارع جزءًا منك.

وسيحفظ المقهى اسم طلبك قبل أن تحفظه أنت، وسيكون لك مقعد مفضل في المكتبة يعرف كل أحلامك، وكل دعواتك، وكل لحظات انتصارك الصغيرة.

لا تستعجل النهاية. التقط صورة لذلك الطريق الذي تمشيه كل صباح، لأنك بعد سنوات ستشتاق إليه أكثر مما تتخيل.

اكتب.

عن أول نجاح صغير، وعن أول خيبة، وعن أول مرة شعرت فيها أنك أقوى مما كنت تظن. اكتب عن الليالي التي كنت تحسب فيها الساعات حتى يشرق الصباح. اكتب عن القرارات الحاسمة التي ظننت أنها ستكسرك، ثم اكتشفت أنها كانت تصنع منك إنسانًا جديدًا.

ستأتي أيام تشعر فيها أنك لم تعد تستطيع أن تلتقط أنفاسك.

وأقولها لك بكل صدق.

ما زلت أتذكر تلك اللحظات التي شعرت فيها أن الحياة أضيق من أن أتنفس، وأن الطريق أثقل من أن أكمله. لكنني اليوم أنظر إليها، وأدرك أنها لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية النسخة الأقوى مني.

ولا أخفي عليك.

من أصعب ما حملته في رحلتي لم يكن البعد، ولا الدراسة، ولا الغربة. كان شعور الذنب. ذلك الشعور الذي كان يزورني كلما رأيت ابني يكبر قبل أوانه، ويتحمل من المسؤولية ما يفوق عمره، فقط لأنه كان يرافق حلم أمه.

كنت أتساءل كثيرًا:

هل أثقلت عليه؟
وهل كان الطريق يستحق؟

واليوم، عندما أنظر إليه، أدرك أن الأحلام الصادقة لا تبني شخصًا واحدًا، بل تبني عائلة كاملة.

سيأتي يوم تشكر فيه نفسك لأنك لم تستسلم.

وسيأتي يوم تدرك فيه أن الابتعاث لم يمنحك شهادة فقط، بل منحك قلبًا أكثر اتساعًا، وعقلًا أكثر نضجًا، وروحًا تعرف كيف تبدأ من جديد مهما تعثرت.

لا تبحث عن أن تكون أفضل طالب، ابحث عن أن تعود إلى وطنك أفضل نسخة من نفسك.

واكتب.

لأن الذاكرة تخون، أما الكلمات فتبقى. وربما يقرأ أحدهم قصتك بعد سنوات، فيجد فيها القوة التي كان يبحث عنها ليكمل طريقه.

وأخيرًا.

إذا مررت يومًا بذلك الشارع نفسه بعد سنوات، فلا تستغرب إن ابتسمت دون سبب.

فالمدن لا تحفظ أسماءنا، لكنها تحفظ النسخة التي كنا عليها ونحن نحاول أن نصنع مستقبلنا.

أتمنى أن تكون “ورّق” مساحة تترك فيها أثرًا. لأن كل فكرة صادقة تستحق أن تُقرأ، وكل تجربة تستحق أن تُروى.
أختكم مشاعل السلامة الملحق الثقافي في المملكة المتحدة

Compare